السيد الطباطبائي

299

الإنسان والعقيدة

وإذا تتبّع الباحث الناقد ما وصل إلينا من أخبار ، تفصّل لنا أحوال صحابة النبيّ صلّى اللّه عليه واله ، وتحكي أقوالهم . . يرى هذه الحقيقة التي أشرنا إليها رأي العين ، فإنّ أغلب هذه الأخبار قد تضمّنت عرضا لأعمالهم الصالحة ، التي يلوح منها اتّباعهم للسنّة النبويّة ، أو متضمّن أحداثا ترتبط بالدعوة الدينيّة وشؤونها ، وقليل من هذه الأخبار ما يشتمل على الحكمة والموعظة الحسنة وتعاليم الدين ، وأمّا الذي يشير منها إلى معارف حقيقيّة ، ويرمز إلى فلسفة إلهيّة ، تأخذ الألباب ، وتشدّ القلوب ، وتربطها بسرادق العزّة والكبرياء ، وساحة العزّة والبهاء ، أمّا هذا النمط منها فهو أشدّ وأندر ، بل لعلّ الحديث الذي يتعرّض لذلك - رغم أنّه غريب في محتواه ومضمونه - لا يتجاوز عدد أصابع اليدين ، أو حتّى لا يبلغه . . وليس فيما ورثناه منهم من الكلام في المعارف ، إلّا أخبار التجسيم والتشبيه أو التنزيه ، وبعض الأخبار المشتملة على معارف ساذجة وبسيطة ، ومعان عادية ومبتذلة . . مع أنّ عدد من ترجم له من الصحابة يبلغ الاثني عشر ألف نسمة . . ولم تأل الأمّة جهدا في النقل عنهم ، وإحصاء أقوالهم ورواياتهم . . لكنّنا نجد كلام الإمام عليّ بن أبي طالب عليه أفضل السلام الذي كان يفيض بالمعارف الحقيقيّة ، وتحار فيه النفس الوالهة الخائضة في الفلسفة الإلهيّة نجد كلامه عليه السّلام يلتقي معه الفكر الإنساني ، ويرتقي معه إلى أن يصل الفكر إلى أوج مرتقاه ، حتّى إذا كلّ ووقف كان كلامه عليه السّلام السائر وحده في مراقي الحقائق ، لا يشقّ له غبار ، ولا تناله الأوهام ولا الأفكار . . ولسنا نعني بذلك توحّد كلامه في بلاغته ، أو تفرّده في حلاوته ، أو غير ذلك ، فإنّ ذلك وإن كان حقّا إلّا أنّه خارج عمّا نحن بصدده . . وإنّما نعني كلامه الذي يزخر بالمعارف الحقيقيّة ، والفلسفة الإلهيّة ، ونلفت نظر الباحث المتعمّق في الفلسفة الإلهيّة ، الخائض في معرفة اللاهوت « ونوجّه الكلام إليه » - نلفته - إلى نظير قوله عليه السّلام في بعض كلامه ، وكم له في كلامه من نظير :